ابو القاسم عبد الكريم القشيري

183

شرح الأسماء الحسنى

وأما المصور فمن التصوير ، وهو تمييز الشيء على صورة ، يقال : صوّره إذا جعله على صورة ، وصور الأمر أي قدره ، ويقال : صاره يصيره ويصوره إذا أماله هو ، من قوله : فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ « 1 » ورجل صير شير إذا كان ذا صورة وشارة حسنة ، والصور جمع صورة ، وعليه يحمل قوله تعالى : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ « 2 » أي في الصّور على بعض التأويلات ، والصور أيضا هو القرن الّذي ورد به الخبر أنه ينفخ فيه الملك ، واللّه تعالى مصور الخلق ومقدرهم ومدبر العالم ومعبدهم . وإذا عرف العبد أن اللّه تعالى برأه من البر الّذي هو التراب وأنه لم يكن شيئا ولا عينا فجعله شيئا وعينا فبالحري أن لا يعجب بحاله ولا يدل بأفعاله ، بل لا يبتهج بصفو حاله وقد أشكل عليه حكم مآله . وكيف لا يتواضع من يعلم أنه في الابتداء نطفة وفي الانتهاء جيفة ، وفي الحال صريع جوعه ، وأسير شبعه ، وجماله وحسنه يختلف في أطواره في قميص إن أمسك عن الأكل ساعة تغير عليه خلوفه ، وإن عرق في سعيه سطع بغير المستطاب صنان إبطه ورائحة جلده ، ثم إذا شاهد نقص نفسه عرف جلال ربه ، قال اللّه تعالى : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ « 3 » وقال تعالى : بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ « 4 » وأحد ما قيل في قوله تعالى : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ هو أن تفكر فتعلم كيف زين العضو الّذي لا يزال ظاهرا على مجرى العادة من أعضائك ، وهو وجهك ، وستر الوحشة منك ، وفيه تقوية للأمل والرجاء بأن يديم معك هذه السنة في إسداء النعم وإكمال الكرم ، فإن

--> ( 1 ) البقرة : 260 . ( 2 ) الكهف : 99 . ( 3 ) الذاريات : 21 . ( 4 ) القيامة : 14 .